الفصل السادس
)شهادة التراث على القرآن(
سيتذكّر القارئ أنّ الخليفة عثمان قام بجمع نسخة واحدة من القرآن، ثمّ أخرى
كافة النسخ الأخرى. ثمّ أرسل نسخاً عديدة من مصحفه إلى المدن الرئيسية في العالم
الإسلامي. إلا أنّه لم يسبق أن قام أي أحد بإنكار هذا العمل على الخليفة، إلا
الشيعة الذين أنكروا هذا العمل بأشدّ وأقذع الكلمات، إذ أنّهم يؤكّدون مراراً
وتكراراً أنّ الكثير من الآيات التي تشير إلى عليّ وعائلته قد تمّ حذفها أو
إزالتها من بين آيات القرآن. سورة كاملة غائبة الآن من النسخ الحالية من القرآن،
وتتضمّن الكثير من الإشارات إلى عليّ ومكانته العظيمة، إلا أنّها ما زالت موجودة.
يطلق على تلك السورة تسمية "سورة النورين"، إذ يقصد بالنورين كلاً من
محمد وعلي. ويمكن للقارئ أن يجد هذه السورة كاملة في كتاب "تحقيق
الإيمان"، صــ 11-13. ومن المرجّح أنّ هذه السورة كانت موجودة ضمن مصحف عليّ،
لكن لسوء الحظ أنّ ذكر المصحف قد فقد أيضاً. والحال أنّ الشيعة يعتقدون أنّه عندما
يظهر المهدي _الإمام الأخير_ سيظهر معه القرآن الكامل مرّةً أخرى ويقدّمه إلى
العالم.
دراسة متفحّصة للتراث تبيّن لنا أنّ القرآن كان في زمن محمد أكبر وأضخم
بكثير ممّا هو عليه الآن. فهنالك حديث منقول عن أبي عبد الله عن هشام أنّه قال:
((إنّ القرآن الذي جاء به جبريل إلى محمد صلعم سبعة عشر ألف آيات))
لكن حسب ما جاء في تفسير البيضاوي [وغيره من التفاسير الأخرى] فالقرآن
الحالي لا يتضمّن سوى 6264 آية، لذلك فنحن نعرف من هذا التقليد البالغ الأهمية،
والموثّق من قبل البقية، أنّ القرآن الحالي لا يشكّل سوى ثلثي حجم القرآن الأصلي!
في تقليد آخر يرد الخبر التالي:
((محمد بن نصر سمع عنه [أبي عبد الله] أنّه قال: أنّه كان في [سورة] (لم
يكن) اسم سبعين رجلاً من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم))
وتشير الأبحاث إلى أنّ هذه القائمة من الأسماء قد اختفت كلياً وحذفت من
النسخ الحالية من القرآن. أمّا التفسير الأوضح فهو أنّ تلك الأسماء كانت تشكّل
جزءاً كبيراً من ذلك القرآن الذي فقد، والتي تمّت الإشارة إليها في الحديث الذي
ورد سابقاً.
في الكتاب المشهور الموسوم بـ"الإتقان"، مؤلّفه حلال الدين
السيوطي، ورد خبر أنّه كان في سورة الأحزاب آية تتناول موضوع معاقبة الزناة. هذه
الآية الشهيرة، والتي تعرف بـ "آية الرجم"، غالباً ما يشار إليها في
التقاليد والتراث، ممّا لا يدع أي مجال للشك أنّ هذه الآية كانت تشكّل جزءاً
أساسياً وجوهرياً من القرآن. وقد جاءت هذه الآية على الشكل التالي حسب ما ورد في
الإتقان:
((فيها آية لرجم. قال: وما الرجم؟ قال: إذا زنيا الشيخ والشيخة فارجموهما))
هذه الآية غير موجودة في النسخ الحالية من القرآن، ومع ذلك فهناك دليل قاطع
أنّها كانت جزءاً هاماً من الكتاب الأصلي. على سبيل المثال، يقال أنّ عمر [ابن
الخطّاب] كان يعرف أنّها كانت جزء رئيسي من القرآن، لكنه عجز عن إيجاد أي قارئ
يدعم رأيه، لذلك فقد رفض إدخالها في القرآن. في كتاب "فتح الباري" جاء
الحديث التالي:
((بقول عمر هذا أنّه كانت عنده شهادة في آية الرجم أنّها من القرآن فلم
يلحقها بنصّ المصحف بشهادة واحدة))
هذه التقاليد تظهر لنا أنّ الأفكار الحالية والشائعة عن القوّة العظيمة
للذاكرة التي كان يمتلكها الرجال (الحفظة) الذين كانوا حول الرسول، تحتاج لإعادة
نظر وتقييم بشكل جدي، إذ أننا هنا لدينا من دون شك آية من القرآن ولا يمكن
لأصالتها أن تشهد عليها شهادة رجل واحد. فهناك أكثر من تقليد أو حديث يسجّل لنا
شهادة عائشة, أصغر زوجات النبي وأحبّهنّ إلى قلبه، عن هذه الآية. وقد جاء في
التقليد:
((قالت عائشة كانت الأحزاب... في زمن رسول الله مائتي آية فلمّا كتب عثمان
المصاحف لم يقبل إلا ما أثبت وكان فيها آية الرجم))
هذه الشهادة التي وردت على لسان زوجة محمد تثبت بالكامل التصريحات
والتقاليد التي وردت في الأعلى عن نقص النسخة الحالية من القرآن، إذ أنّ عائشة
تخبرنا أنّ سورة الأحزاب في زمن محمد كانت تتضمّن على مائتي آية، أمّا في القرآن
الحالي فسورة الأحزاب تتكوّن من 73. ثمّ تضيف عائشة فيما بعد شهادتها إلى شهادة
عمر على حقيقة أنّ آية الرجم كانت موجودة في القرآن في إحدى المرّات، لكن _لا حاجة
للقول_ لا توجد أي إشارة أو دليل إليها في النسخة الحالية. هناك تقليد آخر، موجود
في كتاب ابن ماجة، وأحمد:
((عن عائشة – رضى الله عنها –
قالت : "لقد نزلت آية الرجم، ورضاعة الكبير
عشراً، ولقد كانت فى صحيفة تحت سريري فلما مات رسول الله
وتشاغلنا بموته، دخل
داجن فأكلها"))
لا حاجة لأن نعلّق أكثر على هذه الآية. فالقارئ إمّا أن يكون مجرّداً من كل
إحساس أو شعور أدبي، أو أنّه مجحف أعمى عن قصد، إذا أخفق في رؤية كيف أنّ هذه
الحقائق التي أوردناها في الأعلى تحطّم وتفنّد جميع المزاعم حول الحماية والصيانة
الإلهية للقرآن. ومخافة القول أنّ لغتنا هنا كبالغ فيها، فإننّا نقتبس عدّة أحاديث
وتقاليد أخرى من مصادر موثوقة، والتي ستمّكن القارئ من رؤية الحقائق التي أوردناها
هنا. هناك تقليد معروف جيداً عن ابن عمر:
((عن ابن عمر قال: لا يقول أحدكم قد أخذت القرآن كلّه، ما يدريه ما كلّه،
قد ذهب منه قرآن كثير. ولكن يقل قد أخذت ما ظهر منه)).
تقليد آخر جاء فيه:
((قال بن جيش قال أبي بن كعب: كم كان عدد آيات سورة الأحزاب؟ قلت: اثنين
وسبعين آية، وثلاثاً وسبعين آية. قال: أن كانت لتعدل سورة البقرة))
هذا الحديث المشهور موجود أيضاً في كتاب العلاّمة جلال الدين السيوطي
المعروف بالإتقان. حيث يخبرنا أنّ سورة الأحزاب، التي تتألّف الآن من ثلاثاً
وسبعين آية، كانت تساوي في إحدى المرّات سورة البقرة التي تتألّف من 286 آية. لذلك
يلاحظ أنّه من هذه السورة وحدها أنّ هناك حوالي 213 آية مفقودة.
تقليد معروف آخر عن ابن عبّاس جاء فيه: ((سألت علي بن أبي طالب: لِمَ لَمْ
يكتب في براءة "بسم الله الرحمن الرحيم"؟ قال: أنّها أمان وبراءة منزّلة
بالسيف. وعن مالك أنّ أوّلها لما سقط مع البسم الله فقد ثبت أنّها كانت تعدل
البقرة بطولها))
في تقليد آخر جاء في صحيح مسلم، في كتاب الزكاة هناك حديث ورد فيه أنّ أحد
قرّاء القرآن، واسمه أبو موسى الأشعري، قال:
((وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة
ببراءة فأنسيتها غير أني قد حفظت منها لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا
ثالثا ولا يملأ جوف بن آدم إلا التراب وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات
فأنسيتها غير أني حفظت منها يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب
شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة))
ليس هناك حاجة لقول
المزيد، إذ أنّ أياً من هاتان الآيتان غير موجودتان في المصحف العثماني.
في صحيح الجامع الكبير
للحديث البخاري هناك تقليد آخر يؤكّد وجود فقدان كامل لعدد كبير من الآيات من سورة
الأحزاب، إذ ورد فيه:
((وأخرج البخاري في
تاريخه عن حذيفة قال قرأت سورة الأحزاب على النبي فنسيت منها سبعين آية ما
وجدتها))
كما أنّ هناك تقليد
آخر يستحقّ أن نورده هنا قبل أن نختتم هذا الكتاب. إذ أنّه لا يتعلّق بالماضي، بل
بمستقبل تاريخ القرآن، وهو موجود في مجموع ابن ماجة:
((عن حذيفة ابن اليمان
قال رسول الله صلعم: يدرس الإسلام كما يدرس وشق الثوب حتى لا يدرك ما صيام ولا
صلاة ولا نسك ولا صدقة وليسري على كتاب الله عزّ وجلّ في ليلة فلا يبقى في الأرض
منه آية))
لا نريد التعليق أكثر
حول الأحاديث التي وردت معنا في الأعلى. فهي كافية لتثبت لأي إنسان عقلاني باحث عن
الحقيقة _ومن أجل الحقيقة وحدها_ الكامن وراء النص القرآني.
نشأ كل مسلم على
الاعتقاد بأنّ للقرآن قداسةً تحميه من أي تغيّر أو تحريف. طبعاً القرآن نفسه يقدّم
هذا الزعم في الآية التالية:
{إِنَّا نَحْنُ
نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر 15: 9]
كما أنّنا نقرأ في
مكان آخر ما يلي:
{ذَلِكَ الْكِتَابُ
لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة 2: 2]
إذن هذا الكتاب مصون،
محفوظ، ولا يتطرّق إليه الشّكّ. وقد بلغ الأمر في بعضهم حدّ المغالاة في تمجيده إذ
قال صاحب كتاب فضائل القرآن أنّك إذا وضعته في النار فإنّ النار لن تمسسه ولن
يحترق!!
سأدع القارئ ليحكم من
تلقاء نفسه على قيمة هذه المزاعم حول مصداقية القرآن وموثوقيته في ضوء الشهادات
التي قدّمها هؤلاء الفقهاء المسلمين التي تمّ تقديمها في هذا الكتاب، وسيرى أنّ
ادّعاء الحماية الإلهية المزعومة من كافّة التغييرات هو ادّعاء باطل، وأنّ القرآن
يدين نفسه، ويثبت أنّه من أصل ومنشأ بشري. وإذا كان عند القارئ رغبة إضافية
للاطلاع على معلومات أكثر حول هذا الموضوع الهام يمكنه الاطلاع على الأعمال
التالية: هداية المسلمين، منار الحق، ميزان الحق، تحقيق الإيمان، تحريف القرآن،
وتأويل القرآن. ثمّ ليتابع القارئ _وبكل موضوعية_ الاطّلاع على كافّة الأعمال
والدراسات التي تناولت هذا الموضوع الهام، أي آراء وكتابات أولئك الذين أوردنا
اقتباسات من أعمالهم هنا، وشهاداتهم لا يمكن تجاهلها أو تنحيتها جانباً. لقد رأينا
ما قاله رجال مثل القاضي البيضاوي، الإمام حسين، مسلم، البخاري، وجلال الدين
السيوطي فيما يتعلّق بالقرآن. ورأينا كيف _حتى في الفترة التي كان ما يزال فيها
محمد على قيد الحياة_ ظهرت اختلافات وفروقات وتباينات هائلة في قراءة القرآن، وقد
تتبّعنا تاريخ كافة المحاولات اليائسة لتقليلها وحصرها في نصّ رسمي موحّد، وقد
رأينا كم كانت نسخة عثمان مختلفة عن نسخة أبي بكر ومصحف عبد الله ابن مسعود،
ورأينا أيضاً _طبقاً لشهادات أهم وأعظم مفسّري القرآن_ كيف أنّ النص الحالي يحتوي
على اختلافات وتباينات كثيرة في القراءات، وكثير منها تغيّر معنى الآيات بشكل
كلّي، وأخيراً رأينا كيف أنّ تلك الشهادات توافقت مع بعضها الآخر، ونصل من ذلك إلى
نتيجة مفادها أنّ هناك أجزاء كبيرة فقدت من القرآن.
العقل وليّ التوفيق