السبت، 19 أكتوبر 2013

الفصل الثالث: قراءة ابن مسعود

الفصل الثالث
)قراءة ابن مسعود(

من بين الأدلة والإثباتات الكثيرة على تحريف المصحف العثماني التي يمكن ذكرها هي الحقائق المتعلقّة بمصحف ابن مسعود. ففي الفصل العشرين من الجزء الرابع والعشرين من كتاب "مشكاة المصابيح" نرى حديثاً مسجلاً عن النبي، حيث يذكر عشرة من أهمّ وأتقى أتباعه، ويؤكّد للسامعين أنّ هؤلاء العشرة هم من المبشّرون بالجنة. أمّا أسماء هؤلاء المبشّرين فمعروفة ومشهورة في التاريخ الإسلامي، ومن بينهم عبد الله ابن مسعود. فقد كان هذا الشخص أحد القرّاء والحفظة الكبار وكان صديق النبي المقرّب. وهناك حديث عن محمد يقول فيه:
((عن عبد الله بن عمر أنّ رسول الله صلعم قال استقرءوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، سالم مولى بن حذيفة، وأبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل))[1]
يتّضح من هذا الحديث، ومن عدّة أحاديث أخرى عن نفس الموضوع، أنّ ابن مسعود كان من الصحابة المقرّبين لمحمد، وقد استمع إليه وأخذ منه القرآن بحذر وإخلاص. وهناك حديث آخر في كتاب مسلم عن ابن مسعود يقول فيه:
((والذي لا إله غيره ما من كتاب الله سورة إلا أنا أعلم حيث نزلت وما من آية إلا أنا أعلم فيما أنزلت ولو أعلم أحدا هو أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لركبت إليه))[2]
في حديث آخر يقول محمد:
((ولقد علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أعلمهم بكتاب الله ولو أعلم أن أحدا أعلم مني لرحلت إليه))[3]
وهناك حديث آخر منقول عن عمر يقول فيه: ((عن رسول الله صلعم قال: من أحبّ أن يقرأ القرآن غضّاً كما أنزل فليقرأه على قراءة بن أمّ عبد [أي عبد الله ابن مسعود]))[4]
من الدليل المتراكم عن ثلاثة تقاليد مختلفة يصبح من الواضح أنّ القرآن بقراءة عبد الله ابن مسعود هو القرآن الصحيح، وأنّه لم يرفض فقط عملية تنقيحه وتحريره، بل أيضاً رفض فكرة تسليم نسخته إلى الخليفة في الأساس. ليس هذا فحسب، بل عندما أصدر الأخير أمره بجمع وإحراق جميع النسخ المخالفة من القرآن ما عدا نسخته هو، على الفور نصح ابن مسعود أتباعه من أهل العراق، أن يخفوا نسخهم من القرآن، وألا يسلّموها للمحرقة، وعبّر عن ذلك بكلماته:
((يا أهل العراق اكتموا المصاحف التي عندكم وغلقها))
يسجّل لنا التراث أنّ الخليفة استولى بالقوة على مصحف ابن مسعود وأحرقه، وعاقب هذا الصحابي بلا رحمة حتى مات بعد عدّة أيام من شدّة الضرب الذي تلقّاه. لكنّ الحقيقة الأهم تبقى أنّ ابن مسعود لم يرفض فقط تسليم نسخته الكاملة من القرآن من أجل عملية تجميع اعتباطية واستبدادية بإشراف عثمان، بل أيضاً حثّ أتباعه على الاستمرار في قراءة نسخته هو.
القصّة بأكملها ترينا أنّ مصحف عثمان يختلف بشكل كبير جداً عن القراءة التي أخذها ابن مسعود عن النبي، إذ ليس هناك فرضية أخرى يمكن أن تفسّر لنا هذه المعاملة الجائرة والمنعدمة الرحمة من قبل المؤسّس تجاه مسألة ذات أهمية ثيولوجية كهذه. ستكون هناك مناسبة أخرى، لاحقاً في مكان آخر ضمن هذا الكتاب الصغير، للإشارة إلى بعض الفروقات الكبيرة والعظيمة بين قراءات ابن مسعود ومصحف عثمان، ونكتفي هنا بتذكير القارئ أنّ قرآن ابن مسعود لا يحتوى السور التالية: الفاتحة، الطلاق، والناس. لا نستطيع هنا سوى التعجّب من تهوّر الخليفة في إحراق المصحف الذي لقّنه النبي نفسه لأتباعه، وبإحلال قرآن آخر محلّه مختلف عنه تماماً.
بالرغم من المعايير القاسية والمتطرّفة التي تبنّاها الخليفة الراشدي عثمان لقمع كافة النسخ والقراءات الأخرى من القرآن باستثناء قراءته هو، فإنّ قراءة ابن مسعود استمرّت لسنوات طويلة محفوظة مصانة بين أتباعه، أهل العراق. وهكذا في سنة 378 هجرية تمّ اكتشاف نسخة من مصحف ابن مسعود ببغداد، والتي أثبتت أثناء تقييمها على أنّها تختلف جذرياً عن جميع النسخ الشائعة من القرآن. وقد تمّ إتلافها وإحراقها والتخلّص منها فوراً وسط احتفالات أقامها البشر المخدوعون أصلاً بمناسبة إحراق المصحف المخالف.
لا يقتصر الأمر أنّ مصحف عثمان يختلف بشكل جذري عن مصحف ابن مسعود [الذي أوصى النبي أن نأخذ القرآن عنه]، بل يختلف أيضاً عن النسخة المنقّحة السالفة منه والتي صنعها أبو بكر. حيث يرد في التراث أحاديث وتقاليد تنصّ أنّ مصحف أبو بكر بقي، بعد وفاته، في رعاية حفصه، ابنته، لكن بعد وفاة هذه الأخيرة، طالب بها مروان _والي المدينة_ من أخيها، ابن عمر، وأحرقها على الفور، متذرّعاً بأنّه كان يخشى أنّه إذا كانت هنالك مجموعة كبيرة من القراءات المختلفة التي رغب عثمان بقمعها أن تعاود الظهور.
[يوضح ابن شبّة في تاريخه المسألة على نحو أكثر تفصيلاً؛ حين يقول: "لما تُوُفِّيَت حفصةُ أرسل مَرْوَان إلى ابن عمرَ (رض) بعزيمة ليُرْسِلَنَّ بها، فساعةَ رجعوا من جنازة حفصة أرسل بها ابنُ عمر (رض)، فشَقَّقَها ومزَّقها مخافةَ أن يكون في شيء من ذلك خلافٌ لما نَسَخَ عثمانُ (رض) "][5]
ومن هنا نستنتج أنّ القرآن الذي يعمّ الآن كافة أرجاء العالم المحمدي [الإسلامي] اليوم لا يتطابق لا مع المصحف الذي جمعه أبو بكر، ولا مصحف ابن مسعود، ولا المصحف الذي جمعه عليّ والذي بات مفقوداً في يومنا هذا. القرآن الحالي هو في الحقيقة كتاب تمّ التلاعب به وتحريفه وتشويهه إلى أبعد حد، وكما سنرى لاحقاً، ونثبته، أنّه من غير المجدي الإيمان والاعتقاد بفكرة القرآن الكامل والمحفوظ الذي يقال أنّه نزل على محمد ولقّنه لأتباعه بنفسه.




[1]) صحيح مسلم، 4، باب من فضائل عبد الله بن مسعود وأمّه رضي الله عنهما، 2464.
[2]) السابق، 2463.
[3]) السابق، 2462.
[4]) ربيع الأبرار، للزمخشري.
[5]) تاريخ ابن شبّة، 295.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق