الفصل الأول
)القراءات السبعة(
لم يقدّم محمد
القرآن دفعة واحدة بل طرحه تدريجياً حسب ما تطلّبته الظروف الزمانية والمكانية،
خلال مدّة من الزمن تبلغ حوالي 23 عاماً. وحتى خلال تلك الفترة، لم يكن أصحابه
المقرّبين قد جمعوا كامل المادّة القرآنية ودوّنوها، إذ أنّهم حفظوا قسماً منها، وتمّ
تدوين أخرى على مواد مثل سعف النخيل، الجلود، الأحجار المسطّحة، وإلى ما هنالك،
لكن سرعان ما ظهرت الاختلافات والتباينات، حيث يخبرنا التراث أنّه خلال فترة زمنية
قصيرة ظهرت اختلافات جذرية وجوهرية في قراءة القرآن، اختلافات لا تنحصر فقط على
اللفظ كما يحاول البعض إقناعنا. إذ أننا نقرأ في كتاب تراثي معروف على نطاق واسع
بعنوان "مشكاة المصابيح"، ضمن فصل عنوانه "فضائل القرآن" ما
يلي:
((عن عمر بن
الخطّاب قال سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأها وكان
رسول الله صلّى الله عليه وسلم أقرأ فيها فكدّت أن أعجل عليه ثمّ أمهلته حتى انصرف
ثم لببته بردائه فجئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إني
سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأت فيها. فقال رسول الله صلعم: أرسله
يقرأ، فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ. فقال رسول الله صلعم: هكذا أنزلت. ثمّ قال
لي: اقرأ. فقرأت. فقال: هكذا أنزلت، إنّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرأوها
ما تيسّر منه. [متّفق عليه واللفظ لمسلم]))[1]
وهنالك الكثير
من التقاليد والأحاديث التي تتعلّق بهذه القراءات السبعة للقرآن، حيث حاول
الباحثون المحمديون بطرق مختلفة تفسير أهميتها، لكن من دون جدوى والاختلافات التي
تخلّلت هذه القراءات السبعة للقرآن كان كبيرة وجوهرية. إذ يورد النسائي خبراً
يؤكّد لنا فيه أنّ عمر قد اتّهم هشاماً بالكفر والبهتان، وأكّد بأنّه قرأ الكثير
من الكلمات في نسخته من القرآن لم يسبق له أن سمعها من النبي. في حديث آخر، أورده
مسلم، نلاحظ أنّ ابن كعب، أحد أشهر وأهمّ كتبة القرآن، سمع رجلين كل واحدٍ منهما
قرأ قراءة مختلفة، فاختلف معهما. وعندما رجع بهما إلى النبي، قرأ كل من الرجلين
أمام النبي ما كان قد حفظه، فاستحسن محمد كلا القراءتين، ممّا دفع أبيّ بن كعب إلى
التصريح التالي: ((فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية))[2].
من هذه المصادر
التراثية المختلفة والمتنوّعة يصبح من الواضح أنّه حتى خلال فترة حياة النبي كان
القرآن يقرأ بقراءات مختلفة ومتضاربة بشكل كبير. تلك الاختلافات كانت كبيرة جداً
وبارزة إذ سرعان ما برزت وأصبحت واضحة للعيان، حيث أنّ أهل حمص اعتمدوا قراءة
المقداد بن الأسود، أمّا أهل الكوفة فقد اعتمدوا قراءة ابن مسعود، وأهل البصرة
اتبعوا أبو موسى في قراءته، وهكذا. لم سيكون من الخطأ الافتراض بأنّ هذه
الاختلافات والتباينات قد دخلت ببساطة أثناء جمع القرآن وتنقيحه وقراءته باللهجات
العربية المختلفة، كما يريدوننا أن نعتقد، إذ أنّ هناك دليل قاطع يبيّن أنّ هذه
الاختلافات والتفاوتات تعاظمت لتصبح أعمق بكثير ممّا كان يعتقد.
طبعاً يخبرنا
السيوطي في كتابه "الإتقان" أنّ الرجلين اللذين ذكرناهما سابقاً (عمر
وهشام)، كانا من نفس القبيلة، أي قرشيين، لذا فالقول أنّ الاختلافات هي مجرّد اختلافات
لهجوية أو لسانية قول غير دقيق وغير منطقي ليفسّر لنا الاختلافات التي ذكرناها. في
الفصول اللاحقة سنبيّن مدى جديّة هذه الاختلافات، وسنقرأ عن بعض الوسائل والأساليب
التي تمّ اعتمادها لقمعها والتخلّص منها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق