السبت، 19 أكتوبر 2013

الفصل الخامس: شهادة القاضي البيضاوي حول القراءات المختلفة للقرآن

الفصل الخامس
)شهادة القاضي البيضاوي حول القراءات المختلفة للقرآن(

كل من قرأ شروح وتفسيرات العالم المحمدي الكبير القاضي البيضاوي يعرف جيداً أنّه أيضاً أشار إلى وجود الكثير من الاختلافات والتباينات ضمن نسخ مختلفة من القرآن. وسنورد هنا بضعة أمثلة من كتابات هذا العالم المشهور.
من المثير للتعجّب أنّه في أول سورة من القرآن [الفاتحة]، تلك السورة التي برع علماء المسلمين في تفسيرها وتنافسوا على تأويلها، والتي على كل مؤمن محمدي تقي وملتزم أن يكرّرها في صلواته اليومية الكثيرة، فهناك عدد من القراءات المختلفة والمتباينة لها، ولم تسبّب لديهم أقل قدر من الحيرة ليتفكّروا فيها ويدرسوها. وانطلاقاً من هنا بخيرنا القاضي أنّه في الآية رقم 5، كلمة "صراط" كتبت في الكثير من النسخ، في حين أنّها وردت "سراط" في عدد من النسخ الأخرى. ومع ذلك نحن غير متأكّدين من صحّة ودقّة أيٍ من هاتين القراءتين.
مرةً أخرى، في الآية رقم 6 من نفس السورة، يخبرنا البيضاوي أنّ عبارة {صراط الذين أنعمت عليهم} قد اختلف في بعض النسخ وتقرأ {صراط من أنعمت عليهم}. ماذا إذن عن خلوّ القرآن المفترض من التحريف، في ضوء هذه الحقائق، ولنا أن نتساءل هنا، أين هي تلك الحماية الإلهية المزعومة للقرآن؟ أليس من الواضح أنّه في بعض النسخ وردت كلمة "مَن" بدل "الذين"، أم أنّ الحالة معاكسة هنا فالكلمة الأصلية هي "من" لكنّها حرّفت لتصبح "الذين"؟
مرةً أخرى يخبرنا البيضاوي، أنّه في الآية الثامنة من نفس السورة يحدث تغيير جذري وجدّي في القراءة. فحسب البيضاوي يقول أنّ القراءة الحالي هي {ولا الضّالين}، إلاّ أنّها تمّ تحويرها وتحريفها في بعض النسخ لتصبح {وغير الضّالّين}. في هذه الأمثلة نلاحظ أنّ المعنى لم يتغيّر بشكل جذري ولا حتى إلى أي مدى، لكنّ الحقيقة ما زالت واضحة كعين الشمس تصرخ أنّ هناك كلمات معيّنة تمّ استبدالها بكلمات أخرى في هذه السورة الهامّة بالقرآن. وكلا النوعين من الكلمات لم يكن موجوداً في النسخ الأصلية.
في الآية رقم 23 من سورة البقرة يشير البيضاوي إلى قراءة مخالفة أخرى على درجة كبيرة من الأهمية. فالقرآن الحالي جاءت في السورة على الشكل التالي {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} [بصيغة المفرد]، لكنّه يخبرنا أنّه في بعض النسخ الأخرى من القرآن تظهر هذه الكلمة بصيغة الجمع {مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عِبَادِنَا}. في الحالة الأخيرة، وإذا صحّـت هذه القراءة، نلاحظ أنّ هذه الآية تجعل جميع أتباع محمد وصحابته ومن معه متلقّين للوحي القرآني.
في الآية السادسة من سورة النساء نلاحظ وجود تحريف كبير ومتعمّد للنص القرآني. إذ يخبرنا البيضاوي أنّه في هذه الآية قد وردت عبارة {فَإِنْ آَنَسْتُمْ} [بمعنى إن رأيتم أو أبصرتم]، وقرأت في بعض النسخ الأخرى {فإن أحستم} [بمعنى شعرتم أو أحسستم]. مثل هذه التحريفات والتغييرات بالنص القرآني كثيرة، وأكثر من أن تعد أو تحصى، وذلك يثبت بما لا يدع مجال للشكّ أنّ نص القرآن بعيد كل البعد عن العصمة والكمال. طبعاً، كما سنثبت لاحقاً، فقد كان النص القرآني مشوّهاً ومحرّفاً لدرجة أنّ النسخة الحالية منه باتت غير موثوقة ولا يمكن اعتمادها كنسخة كاملة من القرآن الذي لقّنه النبي العربي لأتباعه.
في الآية 12 من سورة النساء، يشير البيضاوي إلى وجود تحريف كبيرة آخر في نسخ أخرى من القرآن، والتي تستحقّ منا أن نقف عندها ونمعن النظر فيها. جاء في الآية ما يلي {ولَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ}. لكن يخبرنا القاضي أنّه حسب قراءة أبي [بن كعب] وسعد بن مالك، فقد زادا كلمة إضافية إلى هذه العبارة المقتبسة من الآية أي {وله أخ أو أخت من الأم}. وفي تفسيره لهذه الآية يشرح البيضاوي أنّ هذه الآية لها هذا المعنى. ومن هنا هذا العرض الذي أمامنا يقدّم مثالاً واضحاً على الطريقة التي تأتي بها بعض القراءات المختلفة إلى الوجود وتجد طريقاً لها إلى النص وذلك عن طريق إدخال كلمات من مادة تفسيرية [أو أنّ الغرض هو الشرح والتوضيح] وحشرها في النص بغرض إيضاح المعنى وجعله أكثر إشراقاً.
في الآية رقم 89 من سورة المائدة 5 هناك مثال آخر على التحريف الذي تعرّض له النص القرآني. {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ [.....] ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، وهذه الآية هي كما وردت في القرآن الأصلي، حيث أنّ المطلوب هو صيام ثلاثة أيام. لكنّ المفسّر الكبير أبو حنيفة يقرأ الآية بإضافة كلمة إضافية إلى هذه العبارة، إذ أنّ على المخالف أن يصوم ثلاثة أيام متتابعة، فيقول في الآية {فصيام ثلاثة أيام متتابعات}. هذه القراءة المخالفة والمغايرة لها عواقب ونتائج في غاية الأهمية والجدية، حيث أنّها تمسّ، وتغيّر، القوانين التي وضعها الإسلام. لذلك قام أبو حنيفة وجميع أتباعه شرّع صيام ثلاثة أيّام متتابعات، في حين أنّ البيضاوي وغيره قال عن هذا التشريع بأنّه خاطئ، ويتعارض مع القرآن. من ذا الذي، بعد انقضاء كل هذه الفترة الزمنية الطويلة، يمثّل القراءة الأصلية والحقيقية للقرآن من هؤلاء؟
في الآية رقم 153 من سورة الأنعام وردت عبارة على النحو الآتي {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي}، لكنّ البيضاوي هنا يورد قراءتين تختلفان تماماً عن هذا النص. في الأولى نقرأ، {هذا صراط ربكم}، وفي الثانية {هذا صراط ربك}. وسيلاحظ القارئ أنّ القراءتين الثانية والثالثة التي أوردهما البيضاوي، فهناك حرف فارق بين الكلمتين "ربك" و"ربكم". لذلك لا نستغرب فزع عثمان من كثرة الاختلافات والفروقات القديمة التي ظهرت في قراءة القرآن، وسعيه الحثيث للتقليل منها وجمعها وتوحيدها في نص واحد موحّد، لكن الأمر الأكثر إثارةً للتعجّب والاستغراب هو أنّ الخليفة قد فشل فشلاً ذريعاً في تحقيق غايته. العديد من هذه التحريفات التي تتخلّل النص القرآني تحمل على وجهها الدليل على اليد الخرقاء والبليدة للمزوّر، وتكشف _بطبيعتها_ عن السبب الكامن خلف وجودها. لذلك نقرأ في سورة طه، الآية رقم 94 عن هارون وهو يقوم {قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ} [وكتبت في نسخ أخرى {قال يبنؤم}]. لكن في سورة الأعراف آية رقم 150 نقرأ {قَالَ ابْنَ أُمَّ}. وبإلقاء نظرة سريعة ومتفحّصة على هذه الآيات نجد أنّه في الآية الأولى الإقحام العادي للمخاطب مترافق مع حرف النداء، "يا"، لكنّه غائب في الآية الأخرى. لذلك يصبح من الواضح تماماً أنّ _وبغرض الحفاظ على سلاسة وجمالية اللغة في القرآن_ الإقحام العادي للمخاطب ينبغي أن يضاف إلى الآية الأخرى أيضاً. والآن يقول البيضاوي موضّحاً أنّ ذلك قد حدث في الحقيقة، وأنّ بعض المسلمين الأتقياء والأخيار، ومن أجل التخلّص من هذا العيب الذي تخلّل القرآن، أضافوا في الواقع الكلمة الضرورية ضمن نسخهم من القرآن. ولذلك يخبرنا البيضاوي أنّ ابن عمر، حمزة، كسائي، وأبو بكر قرؤوا في هذا الموضع {يا ابن أمّ}. فإمّا أن يكون استدلالنا هنا صحيحاً، أو أنّنا يجب أن نفترض أنّ كلمة "يا" قد كان موجوداً في نسخ القرّاء المذكورين، لكنّها _كغيرها من النسخ الأخرى_ حذفت من النسخة الحالية من القرآن، وفي كلا الحالتين نحن الآن أمامنا مثال صارخ على عدم الدقّة أو حالة اللايقين التي تلفّ النصّ الحالي لهذا الكتاب.
مرةً أخرى في سورة يونس 10، الآية رقم 92، نجن أمام مثال صارخ على حالة التحريف اللفظي أو تحريف نصّ القرآن. إذ تحكي هذه الآية قصّة غرق فرعون في البحر الأحمر وانتشاله ليكون آية أو "تذكرة" كإنذار للذين يأتون من بعده. {لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً}. لكن يخبرنا البيضاوي هنا أنّه في بعض النسخ من القرآن وردت القراءة على النحو التالي {لمن خلقك آية}. هنا في هذا الموضع تغيّر معنى الآية بشكل كامل، والمسلم الحائر والمتبك سيظلّ حائراً وجاهلاً أبداً حول أي من هذه القراءات العديدة والمختلفة هي القراءة الصحيحة والتي تمثّل جزءاً من القرآن الأصلي، وأيها مزيّف ومحرّف؟
وهناك مثال آخر على اختلافات كبير في القراءة نجده في الآية رقم 38 من سورة الكهف 18. في النسخ الحالية من القرآن {لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا} لكن يخبرنا القاضي في تفسيره أنّه في بعض النسخ وردت هذه الآية على النحو التالي: {ولكن هو الله ربي ولكن أنا لا إله إلا هو ربي} التعليق على هذا التحريف الصارخ للنص القرآني قد يكون زائد عن الحاجة وغير مجدٍ، ونترك الحكم للقارئ ليحكم بنفسه.
حالة أخرى من التحريف العلني والواضح للنص القرآني يورده القاضي البيضاوي في تفسيره للآية رقم 38 من سورة يس 36 {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا}، لكن ليس هناك أي مسلم مثقّف ومتعلّم يعتقد فعلاً أنّ الشمس تجري أو تسير خلال اليوم، ثمّ تستقرّ في مكان محدّد عندما يحين ما نسميه "بالمساء"، لكن من خلال نظرة أكثر ليبرالية إلى هذه الآية نعرف أنّ هذه الآية ببساطة تتحدّث بلغة شعبية عامّية، وليس الغرض منها عرض حقيقة علمية. إلا أنّ بعض الأتباع المتشدّدين والمتحمّسين لدينهم ولنبيّهم، لا يقتنعون بهذا التفسير ويسعون لإزالة هذا العيب الخيالي والوهمي من صفحات القرآن، اتخذوا وسائل وأساليب صارمة لإدخال كلمة في هذه الآية. لذا يخبرنا البيضاوي أنّه في بعض النسخ من القرآن تمّ إدخال كلمة "لا" في هذا الموضع، ليصبح المعنى على الشكل التالي: {والشمس تري لا مستقرّ لها}.

قبل أن ننهي هذا الفصل أودّ أن أورد مثالاً آخر على عملية التحريف في النص القرآني اخترته من الأمثلة الكثيرة التي أدرجها القاضي البيضاوي. في الآية الأولى من سورة القمر 54 وردت على النحو التالي في النسخ الحالية من القرآن: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ}. من المعلوم أنّ ذلك الخلاف المرير والطويل الذي جرى بين المسلمين بمختلف مذاهبهم وطوائفهم حول هذه الآية. فالبعض يؤكّد أنّنا هنا أمام شهادة واضحة على معجزة رائعة قام بها محمد عندما شقّ القمر. آخرون يقولون أنّ الآية بكاملها تتضمّن إشارة مستقبلية، وأنّ كل ما تعلّمنا إيّاه الآية هو أنّ القمر سينشقّ نصفين عند مجيء الساعة. كل ما نحتاج إليه لجعل هذه الآية تشير بلا شكّ إلى حدث وقع في الزمن الماضي كان مجرّد إضافة كلمة ما تؤدّي تلك الوظيفة. والآن، يخبرنا البيضاوي أنّ هناك بعض النسخ التي أدخل في الآية كلمة "قد" بمعنى "الآن"، لذا تصبح هذه الآية تقرأ على النحو التالي {وقد انشقّ القمر الآن}. ألم يتّضح الأمر اليوم أن قام بعض المجادلين المحمديين، لكي يحصّنوا آرائهم الخاصة فيما يتعلّق بهذا الموضوع، وليمجّدوا نبيّهم محمد في نفس الوقت، بأن أدخلوا هذه الكلمة في نسخهم من القرآن؟ إذا كان هذا الاستدلال صحيحاً، ألا تلقي هذه المسألة بكاملها ضوءاً باهتاً على المعاملة الشنيعة التي تعرّض لها كتاب المسلمين المقدّس في الماضي وعلى يد أصحابه، ألا تظهر هذه المسألة زيف الادّعاءات والمزاعم المفرطة والتي لا أساس لها، التي أطلقها المسلمون بخصوص سلامة ومعصومية النص القرآني؟ أمثلة كثيرة شبيهة بتلك أوردناها سابقاً يمكن إيرادها هنا. إلا أنّ ضيق المساحة لا يسمح لنا بالخوض أكثر في هذه الأمثلة. لقد أظهرنا ما يكفي من الأمثلة لنثبت لكل قارئ غير متحيّز وموضوعي ومنفتح أنّ القرآن قد تمّ تحريفه والتلاعب به إلى حدٍ كبير، وأنّ السنّة والشيعة على حدٍ سواء يتفقون فيما بينهم حول تلك التباينات والاختلافات الموجودة في نسخ مختلفة. الكثير من العلماء والباحثين الموثوقين والموضوعيين اعترفوا أنّه في العديد من الحالات تمّ إفساد النص القرآني وتحريفه بشكل عنيد على يد مسلمين منعدمي الضمير. لذلك نرى أنّ البيضاوي ومعلم وأبو الفداء جميعهم يشيرون إلى عبد الله بن سرح باسمه. إذ أنّه كان أحد كتبة الوحي وصحابة محمد، وكان يتغيّر ويتلاعب بالكلمات عندما كان محمد يلقّنه السورة. لكن سنرى أنّ النص القرآني الذي بين أيدينا اليوم ليس هو الوحيد المفتوح على السؤال والريبة، وليس فقط أنّ هناك  الكثير من التباينات والاختلافات وجودة في قراءة القرآن الذي نقرأه اليوم، بل سنثبت أنّ جزءاً كبيراً من القرآن الأصلي بات الآن مفقوداً، وذلك من خلال مصادر محمدية موثوقة ومعتمدة من قبل المحمديين أنفسهم، وأنّ القرآن الحالي ما هو إلا جزء _ومع ذلك تمّ تحريفه_ من الكتاب الأصلي الذي لقّنه محمد لأتباعه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق