السبت، 19 أكتوبر 2013

الفصل الثاني: تنقيح أبو بكر وعثمان للقرآن

الفصل الثاني
)تنقيح أبو بكر وعثمان للقرآن(

في الفصل الثالث من كتاب المشكاة ندرك أنّه بعد فترة قصيرة من وفاة النبي، بقي القرآن محفوظاً في صدور البشر [أو ذاكرتهم]، وكان ما زال يقرأ بطرق وأساليب مختلفة ومتضاربة، لكن خلال المعركة الشهيرة التي دارت بين المسلمين وأتباع مسلمة الحنفي والتي سميت بمعركة اليمامة سقط العديد من حفظة القرآن وقتلوا. عندئذٍ _وخوفاً من سقوط حفظة القرآن في معارك قادمة ممّا قد يجعل القرآن المحفوظ في صدروهم عرضة للفقد إلى الأبد، إذ سيضيع منه جزء كبير_ قدِم عمر إلى أبي بكر وطلب منه أن يجمع الصحف والأجزاء المحفوظة من القرآن ووضعها في كتاب موحّد. لكن أبو بكر واجهه بالاعتراض. ((أن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال أرسل إليّ أبو بكر يوم مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده قال أبو بكر رضي اللهم عنهم إن عمر أتاني فقال إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن قلت لعمر كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى اللهم عليه وسلم قال عمر هذا والله خير فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت في ذلك الذي رأى عمر))[1]. إذن أخيراً ونزولاً عند رغبة عمر وتشجيعه له، وكّل الخليفة أبو بكر لزيد بن ثابت [الأنصاري] _الذي كان بمثابة الشاعر الرسمي للنبي_ مهمّة جمع القرآن وتنقيحه. وقد قام هذا الأخير بجمعه من سعف النخيل، الحجارة البيضاء، ومن صدور الرجال. قدّمت هذه النسخة إلى الخليفة أبو بكر، والذي مرّرها بدوره بعد وفاته إلى خليفته عمر [بن الخطّاب]، والذي بدوره أورثها إلى ابنته حفصه، إحدى زوجات النبي.
هذا التقليد القيّم والثمين الذي يورده لنا البخاري يوضّح لنا أنّ أبو بكر، ولأول مرّة، هو الذي جمع القرآن في كتاب موحّد، لكن من الواضح أنّه لم يقم بأيّة دراسة نقدية للنص من أجل إلغاء أو تقليل عدد القراءات المختلفة ويخرج بنصّ نموذجي وموحّد. بالمقابل يخبرنا البخاري أنّه وخلال فترة زمنية قصيرة تعاظمت الاختلافات والفروقات والتعارضات التي كانت تتخلّل القراءات المتنوّعة للقرآن وأصبحت ذات طبيعة راديكالية متطرّفة، حتى قام الخليفة عثمان في النهاية بالخطوة الحاسمة لتهدئة الشكوك التي بدأت تساور عقول الناس. أمّا الوسائل التي اعتمدها عثمان فكانت صارمة إلى أقصى حدّ ممن، إذ تلخّصت ببساطة في إخراج نسخة كاملة وموحّدة من القرآن، ثمّ إحراق كافّة النسخ الأخرى وإتلافها، ولهذا الغرض عيّن الخليفة لجنة، برئاسة زيد، لإتمام العمل. وفي حالة وجود أي تعارض في الرأي، كان على زيد _الذي كان من أهل المدينة_ أن يفسح المجال لآراء أخرى، حيث أنّ القرار النهائي كان بين أيدي أهل قريش في اللجنة، أو بين يدي الخليفة نفسه. وهناك تقديم بالغ الأهمية لهذه الحالة من التداخل يمكن ملاحظتها في أحد الأحاديث. فحيث أنّ الخليفة قد أبدى رغبته لإبقاء القرآن بلسان قريش، لسان النبي نفسه. وقد قيل أنّ علياً أراد كتابة "تابوة" بتاء مربوطة، في حين أنّ هناك من قال أنّه يجب كتابتها "تابوت" بتاء مبسوطة، لكن قرّر عثمان تفضيل الأخيرة كونها توافق لهجة قريش. ولكن حدث أيضاً أنّ كلمة "تابوت" ليست عربية إطلاقاً، بل كلمة استعارها محمد كغيرها من الكلمات الأخرى من الكتابات العبرية الحاخامية! وهي تعني ببساطة "الفُلك"، وتمّ تقديمها ضمن قصّة موسى في السورة رقم 20. هذه الحادثة الصغيرة ستبيّن إلى أي مدى نجح جامعو القرآن في حفظ الكتاب باللهجة المكية، لغة كلٍ من جبريل ومحمد.
والآن نورد الحديث المتعلّق بجمع عثمان للقرآن كما سجّله البخاري، وذلك ليرى القارئ بنفسه الحالة الفعلية والجدّية للنص القرآني في ذلك الوقت، ويحكم بنفسه على الأساليب المتطرّفة والطرق الاعتباطية التي تبنّاها عثمان خلال تنقيحه.
((وعن أنس بن مالك أنّ حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرِكْ هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل عثمان إلى حفصه أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثمّ نردّها إليك. فأرسلت بها حفصه إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد ابن العاص وعبد بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف وقال عثمان للقرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنّما نزل بلسانهم. ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردّ عثمان الصحف إلى حفصه وأرسل إلى كلّ أفق بمصحف ممّا نسخوا وأمر بما سراه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. قال شهاب فأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أنّه سمع زيد بن ثابت قال: فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف. قد كتب أسمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقرأ بها فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري _فألحقناها في سورتها في الصحف. [رواه البخاري]))
من هذا الحديث، الذي سجّله لنا البخاري، تظهر لنا مجموعة من الحقائق الهامّة. إذ من الواضح أنّه عندما شعر عثمان بالفزع من أنّ تصبح هذه القراءات العديدة والمختلفة للقرآن أكثر جذريةً يوماً بعد يوم، أمر زيد وثلاثة آخرون بجمع القرآن مرةً أخرى وتنقيحه لإخراج نسخة رسمية موحدّة منه. إنّ حقيقة أنّ هؤلاء الرجال الأربعة كان عليهم أن يأخذوا بعين الاعتبار تنوّع القراءات، لتقييم مرجعيّتها، و _إذا لزم الأمر_ التخلّص منها لصالح القراءات المكيّة، تظهر إلى أي مدى بلغت درجة التحريف والتلاعب في النص القرآني. وبعد أنّ أنهى عثمان من جمع وتنقيح نسخته، قام بجمع كافّة المصاحف القديمة التي تمّكن من العثور عليها، و حرقها. ثمّ بعد ذلك أمر بصنع عدّة نسخ من هذه النسخة الجديدة، ونشرها في أرجاء العالم المحمدي.
يتبيّن لنا من خلال هذه القصّة أنّ القرآن قد جُمِعَ بأمرٍ من عثمان، ومع ذلك، اختلف بشكل مادي كبير عن القراءات التي كانت سائدة في أصقاع مختلفة من بلاد العرب في ذلك الوقت: وإلا فما تفسير أن يأخذ الخليفة على عاتقه مسألة جمعها وحرقها بهذا الأسلوب الذي سجّله لنا البخاري. والنتيجة أنّ المسلمون حتى هذا اليوم ما زالوا متكتّمين على الطريقة الاستبدادية والاعتباطية التي جرى من خلالها جمع النسخة الرسمية للقرآن، وهم غير قادرين _بدراسة نقدية_ على التوصّل إلى أي قرار مُرضي حول مسألة: إلى أي مدى كان مصحف عثمان متوافقاً مع ذلك المصحف الذي جمعه أبو بكر، أو مع القراءات القرآنية المختلفة التي كانت تسود جزيرة العرب؟ هنا على الأقل نحن نعلم أنّ الشيعة لطالما اتّهموا عثمان بإلغاء وقمع وتعديل الآيات القرآنية التي تشير إلى فضل عليّ وعائلته. فكتب الشيعة تورد عدّة آيات يزعمون أنّه تمّ تغييرها أو تحريفها بهذا الشكل، لكن هذا الكتاب لا يسعه البحث في هذا الموضوع. ويمكن للقارئ أن يطّلع عليها في كتابات: عليّ ابن إبراهيم القمّيّ، محمد يعقوب الكليني، الشيخ أحمد ابن علي الطبرسي، والشيخ أبو علي الطبرسي. فجميع هؤلاء من الشيعة من جهة، والبخاري من جهةٍ أخرى، لا يتركون أيّ مجال للشك أنّ القرآن الذي بين أيدينا اليوم ليس القرآن الأصلي وبعيد كل البعد عن النص المعصوم الذي لا يتغيّر ولا يتبدّل ولا تدخله التحريفات والتعديلات.
علاوةً على ذلك، نستنتج من حقيقة حرق عثمان لكافة المصاحف الأخرى التي استطاع أن يضع يده عليها، وتوزيع نسخة واحدة فقط أشرف هو بنفسه على جمعها وتنقيحها، أنه لم يكن يقبل برواية القراءات السبعة، ولم يصدّق النبي الذي قال بوجود سبع قراءات مختلفة متعارضة وكلّها صحيحة على حدٍ سواء. والحقيقة هي أنّ أي دراسة موضوعية وغير متحيّزة لهذه الرواية تبيّن لنا أنّه ليس محمد، بل أصحابه المباشرون وأتباعه المقرّون هم الذين قاموا بتلفيق القصّة ونسبها إليه كتصريح أخرق لكي لا يتخبّط المسلمون بالمشهد المذهل لقرآن منزّل من عند الله، يظهر بنصوص مختلفة ومتضاربة.
بقعة ضوء أخرى يمكن تسليطها على هذا الموضوع من خلال حديث عن عليّ يقول فيه: ((رأيت كتاب الله يُزاد فيه فحدثت نفسي أن لا ألبس ردائي إلا لصلاة حتى أجمعه))[2]. هذه التقاليد المتنوّعة تبيّن لنا أنّ الاختلافات في قراءة القرآن لم تكن محصورة في مسألة اللفظ فحسب، بل كان هناك أشخاص معيّنون يزيدون في الكتاب كما يحلو لهم خلال فترة جمع القرآن وتنقيحه. ويتضّح لنا من خلال التاريخ الإسلامي أنّ عليّ كانت لديه النيّة لجمع القرآن وقد شرع بذلك، ومن المؤسف جداً أنّ مصحف علي لم يعد موجوداً اليوم. حيث أنه بالتأكيد سيكون مختلف تماماً من الناحية المادية عن القرآن الحالي، إذ يقال أنّه عندما طلب منه عمر أن يسلّم نسخته من أجل مقارنتها مع النسخ الأخرى، رفض، متعلّلاً أنّ القرآن الذي بحوزته كان النسخة الأدقّ والأكمل، ولا يمكن أن يذعن لأيّة تغييرات وتعديلات قد تبدو ضرورية في النسخ الأخرى. كما أنّه قال أنّ في نيّته توريث النسخة التي في حوزته لأبنائه من بعده ليحافظوا عليها حتى موعد قدوم الإمام المهدي.



[1]) صحيح البخاري-كتاب فضائل القرآن-4603 باب جمع القرآن/ نفس الحديث نجده مكررا في كتاب الأحكام رقم 6654 و في كتاب تفسير القرآن رقم 4311
[2]) الإتقان في علوم القرآن للسيوطي، باب النوع الثامن عشر في جمعه وترتيبه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق